د. ماجد جاهين
نقوش جاهين

أغلى ما في حياتي

إعدادات القراءة

وسكتت وهلةً انسابت خلالها دموعها على وجنتيها كندى الصباح، ثم عادت كلماتها مختنقةً بالبكاء: إنت دخّلت سعادة الدنيا كلها على قلب حفيدتي بنت بنتي... أنا وجِدّها كنا واخدينها ورايحين المدافن نزور قبر أمها «الله يرحمها»، ونقرالها الفاتحة، ونونّسها بالدعاء... وربنا سامع وقادر بفضله يوصّل دعواتنا ليها النهارده في عيد الأم.

انتفض قلب عمرو بين أضلعه وارتجفت أطرافه، وقد أدرك لتوّه أن الصغيرة التي صبَّ عليها غضبه تمضي عيد الأم في طريقها إلى قبر أمها، فعلقت غُصّة في حلقه وخرج اعتذاره مثقلًا بالندم: أنا معملتش غير الواجب يا أمي... وأقل منه كمان... وكُل الأسف والندم اللي في الدنيا مش حيغيروا اللي فات... قوليلي يا ست الكل أقدر أعمل إيه، وأنا أعمله لحضراتكم.

مدّت السيدة الوقور يدًا نقش الزمن فوقها آثار الكفاح، ومسحت دمعةً أفلتت من عين عمرو رغم مقاومته، ثم غمرته بحنانٍ أمومي: ربنا يباركلك في والدتك يا ابني... خلّفت وعرفت تربي... ومتشغلش بالك باللي حصل... رب الغيب أمر، وأمره نافذ، وله في كل حاجة حكمة...

وسكنت عيناها فوقه لحظةً قبل أن تستكمل: فبُص على اللي حصل واتملّى فيه كويس... وإنت هتعرف وتفهم رحمة ربنا بيك وبينا خدتنا لحد فين... وخدها حكمة من ست شافت من الدنيا اللي ما يستحملوش بشر... ولما رضيت ارتاح قلبي... فربنا يريح قلبك.. ويسرلك طريقك.

وقف عمرو يودعهم وقد استقرت كلماتها في صدره، وما إن تحركت سيارتهم حتى التفتت الصغيرة إليه من خلف الزجاج ولوّحت بكفها الرقيقة، ثم طبعت فوق راحتها قبلةً بريئة ونفختها نحوه كفراشةٍ طائرة، فتابعها بعينيه حتى ابتلعتها المسافة واختفت السيارة بمن فيها عن الأنظار.

استقل عمرو سيارته وقد غمرت روحه سكينةٌ لم يعرفها منذ بداية يومه، وانطفأت داخله ثورة الغضب التي ساقته طوال الطريق، وما إن بلغ المفترق حتى تجاوز المسار المؤدي إلى المؤسسة وعاد أدراجه نحو المدينة.

شارك النص
تقييمك

تعليقات القرّاء

يظهر تعليقك بعد المراجعة

نتائج البحث