د. ماجد جاهين
نقوش جاهين

أغلى ما في حياتي

إعدادات القراءة

دون أن ينتظر ردًّا أدار عمرو المقود بعنف ليصحح اتجاه سيارته، فدارت إطاراتها فوق التراب مثيرةً سحابةً كثيفة كادت تغمر المُسن والصغيرة الواقفين بجوار مركبتهما، حتى استقامت مركبته موازيةً للطريق، ومع ذلك تعمّد ألا ينظر إليهما وهمَّ بالانطلاق كأن شيئًا لم يحدث.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى بدأ غضبه يخبو تاركًا وراءه وخزًا ثقيلًا في ضميره، وترددت في أذنيه قسوة كلماته، وعادت إلى ذهنه صورة الغبار الذي أغرقهما، فوجد نفسه يدير رأسه إلى الخلف دون أن يعرف ما الذي ينتظر رؤيته.

فاصطدمت عيناه بعينين حزينتين لم يلحظهما من قبل، لامرأةٍ كست التجاعيد وجهها تجلس على المقعد الأمامي داخل السيارة العتيقة، وقد أضفى الوقار على ملامحها نورًا هادئًا، وحفرت السنون فوقه تضاريس صبرٍ طويل على بلاء الحياة، وتجمد عمرو أمام نظرتها حين أدرك أنها كانت هناك منذ البداية وشهدت كل ما جرى.

ولم يستطع الإفلات من نظرتها التي نفذت إلى أعماقه كأنها تكشف ما حاول الهرب منه، محمّلةً بأسى عميق ولومٍ صامت وحسرةٍ غاضبة على ما بدر منه.

علقت غُصَّة في حلقه، وعجز عن مواجهة انكساره أمامها، فكساه الخجل وأطبق الصمت على فمه، ثم أعاد بصره إلى الطريق وانطلق مسرعًا كأنه يفر من العيون جميعها، محاولًا طرد صورة المرأة من ذهنه، غير أن ملامحها أعادت إليه وجه مَن ربَّته على فعل الخير، فأيقظت في صدره ندمًا أخذ يعتصر قلبه على ما صبَّه من غضبٍ فوق أناسٍ لا ذنب لهم في يومه السيئ.

انعقد حاجباه بقوة، وفي لحظة حسم أدار المقود وعاد إليهم، غير عابئٍ بالموعد الذي كان يسابق الزمن للحاق به، حتى أوقف مركبته خلف سيارتهم وترجَّل منها مقتربًا بخطواتٍ مثقلة بالخجل، فرأى المُسن والصغيرة يتصببان عرقًا دون جدوى في محاولة فكِّ صواميل العجلة.

شارك النص
تقييمك

تعليقات القرّاء

يظهر تعليقك بعد المراجعة

نتائج البحث