د. ماجد جاهين
نقوش جاهين

سر القارورة

إعدادات القراءة
"عندما تلتقي الروح برفيقها الأوحد...يمتلئ العالم بمعنًى تعجز الكلمات عن وصفه...فما تبحث عنه يبحث عنك... مهما طال الوقت. ولا أعلم حالًا أجمل من وقوع شخصين في الغرام؛لأنهما معًا يهبان الوجود روحًا وليدةً...يستحيل على أحدهما منفردًا أن يمنحها الحياة"چـاهينيـات©

وقف الصيّاد كعادته وحيدًا فوق صخور الشاطئ يستنشق نسيم البحر الصيفي العليل، وقد تهادت إليه أولى خيوط الصباح لتؤنس رفيقها المبكّر، فالتفت إليها وتلقّى مداعبة ضوئها الدافئ على وجهه، وثبّت الطُّعم في شِصِّه ثم هيّأ كتفه للتشويح وقذف بالخُطّاف إلى أبعد ما بلغه بصره، ثم استكان إلى كرسيٍّ صغيرٍ قابل للطيّ ممسكًا بذراع صنّارته، وعيناه تتأملان صفحة الماء التي لا يعكّر سكونها إلا أمواجٌ خفيفة ترتد عن الصخور أسفل موضعه برتابة.

أثقلت ساعات الصمت جفنه الصبور حتى وقت العصاري دون أن يمر عليه الرزق بصيدةٍ واحدة، ولم تعد نفسه تقوى على مواساته بعدما طال صبره وتكررت محاولاته، فتململ في جلسته وساوره الظن بأن اسمه لن يُنادى اليوم أيضًا في السماء، وعلى حين غِرّة بلغ مسامعه لَجَبُ الموج على الصخر وقد خالطه رنينٌ غريب لم يألفه مع ارتطام الماء، فأبصر تحته قارورةً زجاجيةً تصطكّ بالصخر محدثةً جلبةً تنبّهه إلى وجودها.

حاول بادئ الأمر ألّا يكترث بها ويبقى ساكنًا في جلسته، لكن لامبالاته لم تصمد طويلًا أمام إلحاح ندائها، فتأفَّف من تعكُّر صفو عزلته ونهض يثبِّت ذراع صنّارته في شَقٍّ بالصخر، ثم مال بجسده محاولًا التقاط القارورة وهي تداعبه بمراوغتها جَيْئَةً وذَهابًا، حتى كاد ينزلق في البحر، فتدارك توازنه وأطبق أطراف أصابعه عليها، وحين استقرّت في قبضته راح يقلّبها متأمّلًا هيئتها ويمعن النظر في ثناياها البلورية.

لم تشبه أيَّ قارورةٍ وقعت عليها عيناه من قبل، فقد تشكّل جسدها الأنثوي في منحنياتٍ بديعة، وأحالت جدرانها البلورية ضوء الشمس إلى أطيافٍ ساحرةٍ من الألوان غمرت بصره، وتوّجت فوهتها سدّادةٌ من العاج الأبيض منحوتةٌ على هيئة رأس امرأةٍ جميلة المحيّا بعينين واسعتين وثغرٍ باسم، وانسابت ضفائرها الطويلة حتى عنق القارورة ثم انعقدت حوله كأنها توثّق السدّادة في موضعها، لكن أكثر ما أيقظ فضوله الخامد أنها برغم صفائها أبت أن تكشف له ما استقر في باطنها، وكأنها تستعين ببريقها لتصون سرَّ قلبها.

قاوم بريقها الذي يفتن العقل والبصر حتى اخترق نظره باطنها الشفاف بعد عناء وكشف خباياها، فكان أول ما استوقفه ثلاثَ لفافاتٍ منمنمة من ورق عتيق مختومة الأطراف بشمعٍ أزرق داكن، وبجوارها عِقدٌ ذهبيّ تتوسّطه قلادةٌ خضراء تحاكي شكل ورقة التوت وملمسها، ثم لمح إبرةَ غَزْلٍ فضيةً طويلةً عُقد في سَمِّها الضيق خيطُ صوفٍ يمتد إلى بَكَرَةٍ حمراء بحجم حبة العنب تقطر سائلًا قرمزيًّا ما إن يهوي إلى القعر حتى يتبخر في الحال.

شارك النص

نتائج البحث