د. ماجد جاهين
نقوش جاهين

أنا كاتب إسفنجي

إعدادات القراءة

لقد اكتشفت منذ زمن بعيد أنني كاتب إسفنجي... لا تتعجب صديقي القارئ من تلك العلاقة الوطيدة بيني وبين الإسفنجة... والتي تتعدى مرحلة الاستحمام!

لأنني بمنتهى البساطة كاتب يهوى استنباط شخصياته من عالمه المحيط، لذلك ألتزم الصمت ما استطعت في التجمعات وأترك للآخرين مساحة الكلام، أتأمل مفرداتهم ولهجاتهم وحركات أجسادهم وردود أفعالهم، وأترقب خصوصًا تلك اللحظات النادرة التي تتصدع فيها أنماطهم المعتادة فتطل مشاعر دفينة قلّما يسمحون لها بالخروج.

وهذه اللحظات تحديدًا ينبوع الإلهام لي، فما إن يمر أحدهم بتلك الحالة حتى أجدني أتفاعل معه بشغف خفي، كأنني إسفنجة بشرية تمتص كل ما يفيض في المكان من إحساس، ثم أتوحد مع المتحدث إلى درجة أن أصير الآخر الجالس أمامي... أجيبه بمفرداته ولهجته، وقد تلتصق بي حتى لزماته اللفظية فأرددها طوال جلستي معه.

بعدها أجمع ما التقطته من مشاعر وحكايات وأتعايش معها كأنها تخصني، ثم أغوص في أغوارها وأتخيل تجسيدها وهي تولد من جديد بين يدي القارئ.

وهنا تبدأ المفارقة...
فأصعب ما يفصل الواقع عن الحكاية ليس مقدار الخيال فيها، إنما قدرتها على الإقناع، فمهما امتلأت بالغرائب يكفي أن يجد القارئ بينها وبين حياته خيطًا مألوفًا حتى يمنحها منطقه ويتقبلها.

أما ما نغفل عنه كثيرًا فهو أن الواقع نفسه أكثر جنونًا وأشد غرابة من أي خيال، وأن أحداثه لا تسير دائمًا وفق نمط واضح أو تقود أصحابها إلى نهايات يتوقعها العقل.

أتريدون قرينة على كلامي؟ حسنًا...
انظر إلى حياتك اليومية واسترجع ما مر بك وما عاشه من حولك، ستجد أنك بطبيعة الحال ترى نفسك محور الحكاية، وأن الآخرين يدخلون عالمك ويخرجون منه وفق ما تتيحه لك زاوية رؤيتك.

لكن لو تراجعت خطوة للوراء وتأملت كيف تقاطعت مساراتكم، وكيف جمعتكم الأماكن والصدف والقرارات منذ اللقاء الأول حتى اللحظة التي وصلتم إليها الآن، ستكتشف أن كثيرًا مما حدث لم يكن منطقيًا بالقدر الذي تتخيله.

وربما تقول في سرك: حياتي عادية ولا تحمل شيئًا من تلك الغرائب التي يحدثني بها هذا الكاتب الإسفنجي...

جرّب فقط أن تراها من الخارج، ستجد بين تفاصيلها حكايات تستحق أن تُروى لأنها مألوفة لك وحدك، لكنها قد تبدو عجيبة تمامًا لمن لم يعشها.

فإذا كان هذا حال حياة واحدة، فما الذي يمكن أن تطويه مسارات ملايين البشر عبر العصور من وقائع تتحدى ما نظنه منطقًا ثابتًا للحياة؟!

ولهذا كله كانت ثقافة الحكي الشعبي من أقدم الوسائل التي حملت أعاجيب الحياة من جيل إلى آخر، حتى تضخمت بعض الوقائع مع الزمن وتحولت إلى أساطير تغذي ذلك الشغف اللذيذ بعالم «ما وراء الطبيعة» لدى محبيه.

ويكفي أن نتأمل اختلاف ما تعتبره الشعوب طبيعيًا في أبسط تفاصيل حياتها، فأكلة مثل «الفسيخ» نلتهمها نحن بنهم قد تبدو لشعب آخر مستحيلًا الاقتراب منها، وما يشتهيه غيرنا ربما نعجز نحن عن تذوقه، وقد تجد هذا الاختلاف نفسه بين مدينتين داخل البلد الواحد.

فإذا كان أبسط ما نأكله قادرًا على قلب موازين المألوف والغريب بهذه السهولة، فما بالك بالحكايات التي تصنعها الحياة حين تتشابك مصائر البشر وتتصادم اختياراتهم وتلتقي طرقهم في لحظات لم تخطر لهم على بال؟!

وربما لهذا أبقى صامتًا في كثير من الجلسات أكثر مما أتكلم، لا عجزًا عن المشاركة أو ميلًا إلى الانطواء، وإنما لأنني أجد تحليل البشر متعتي الأسمى... حينها أترك حكاياتهم تمر أمامي وأمتص منها قدر ما أستطيع، ثم أحملها معي حتى تنضج في داخلي وتخرج ذات يوم في هيئة شخصية داخل مشهد بين سطور حكاية جديدة.

وفي النهاية... أنا لا أكتب الناس كما هم، إنما أكتب الأثر الذي يتركونه في وجداني!

ويومكم سعيد...

شارك النص
تقييمك

تعليقات القرّاء

يظهر تعليقك بعد المراجعة

نتائج البحث