غادر عمرو طريق «الكورنيش» مندفعًا خارج المدينة إلى مسارٍ مختصر ناءٍ تتجنبه السيارات لوعورته، إذ لم يُسفلت بعد وتغطيه الأتربة، وينتهي عند مفترقٍ يقود أحد فرعيه إلى المنطقة الصناعية حيث المقر الرئيسي للمؤسسة، ويمتد الآخر إلى مدافن البلدة، ومع احتدام أفكاره ضغطت قدمه لا شعوريًا أكثر على دواسة الوقود لاختصار زمن الوصول قدر المستطاع.
فجأة، ومع استغراقه في أفكارٍ شرسة تتلاعب بذهنه، لم ينتبه إلى دخوله في منعطفٍ حاد ينحني جهة اليمين، حتى باغتته سيارة عتيقة متوقفة بمحاذاة الطريق، وبجانبها رجلٌ مُسن يجلس القرفصاء أمام إطارٍ مثقوب محاولًا فكَّ صواميل العجلة، وإلى جواره فتاة صغيرة لا تتجاوز السابعة تمد يدها لمساعدته بما استطاعت، من دون أن تقوى على مجاراة جهده.
التقط عمرو المشهد في لمحةٍ خاطفة، فعصرت قدمه دواسة المكابح وانحرف غريزيًّا جهة اليسار، فدوى صرير إطاراته فوق التراب وتناثر الغبار حول سيارته وهي تنزلق بعنف، ولمح في جزءٍ من الثانية العربة العتيقة أمامه حتى خُيّل إليه أن الاصطدام صار حتميًّا.
تشبث بالمقود واستعاد السيطرة بأعجوبة مستعينًا بخبرته وإمكانات سيارته الحديثة، حتى توقفت أخيرًا وسط سحابةٍ كثيفة من التراب تسللت إلى المقصورة وحجبت الرؤية، فانفجر في سعالٍ قاسٍ وتلاحقت أنفاسه بعدما أدرك مدى اقترابه من كارثةٍ محققة.
مرت قرابة نصف دقيقة حتى هدأت الأتربة داخل سيارته واستعاد وضوح رؤيته، وانحسر سعاله تدريجيًّا، واستغرق لحظاتٍ يحدِّق مشدوهًا في الرجل المُسن والطفلة المتجمدَيْن في مكانيهما على بُعد أمتارٍ قليلة من مقدمة مركبته، التي استقرَّت مواجهةً عكس اتجاه السَّيْر.
وعندها انفجر داخله كلُّ ما تراكم منذ بداية يومه، وفقد السيطرة على أعصابه، فاندفع صوته كالإعصار عبر النافذة المفتوحة بسُبابٍ لم يألفه لسانه من قبل: يلعن أبو الغباوة اللي في الدنيا دي كلها! حد يقف بالمنظر ده في نص السكة؟! هو الواحد يومه ناقص مصايب، عشان تطلعولي إنتوا كمان بكارثة؟!
