"من أكبر الغلطات اللي بنعملها في حق نفسنا...إن المواقف اللي كان لازم نقول فيها: لأ...مَقدرناش وقلنا: نعم"جـاهينيـات©
حلَّ خميسٌ شتويٌّ، آخر أيام الأسبوع الدراسي والموعد الثابت لعودة الطلاب المغتربين إلى ديارهم بعدما نفدت ذخيرتهم المادية بعيدًا عن الأهل، مورد التمويل الأوحد لأغلبهم.
وفي محطة قطارٍ بإحدى محافظات الريف في أقصى شمال دلتا النيل وقفت مريم، طالبة السنة الخامسة بكلية الصيدلة، في ذيل صفٍّ حاشد امتدَّ أمام شباك التذاكر حتى بوابة دخول المسافرين، تقبض بيدها على اشتراك سفرها الموسمي، وتنقر بطرف حذائها جانب حقيبتها المستقرة إلى جوارها، وتداعب أرنبة أنفها وقد تملّكها القلق من أن يفوتها القطار المتجه إلى قريتها النائية، وسيلة العودة التي لا تطمئن قلوب أهلها إلا بها.
ومن خلف شباك التذاكر جلس عم سعيد، موظف الحجوزات المُسن، وقد ضاق زيُّه الرسمي بجسده البدين، وعرف المسافرون الدائمون ملامحه الطيبة، وسرعان ما صدح صوته الأجش بلهجته الريفية الدافئة فوق الرؤوس: من فضلكم يا حضرات... النظام... النظام... طابور للرجالة لوحده على جنب... وطابور للحريم على الجنب التاني، لأحسن جَسَمًا عَظَمًا ما حد واخد تذكرة ولا شايفها النهاردة، وخلّوا الجَطر يفوتكم.
وبرغم صرامته انقسمت الجموع في الحال إلى صفين، فقد ألفوا حنانه الأبوي المغلّف بالحزم، ولا سيما الطلاب المغتربون.
استقر بصر مريم على عم سعيد وهو ينجز عمله بهمةٍ فوق كرسيه الخشبي، وتأملت وجهه المستدير المفعم بدفء كل ما هو أصيل في الوطن، وصلعته السمراء التي حفّت جانبيها خصلاتٌ كغزلٍ أبيض، وكشفت شفتاه الغليظتان الداكنتان عن أسنان مدخّنٍ عتيق، غير أن بشاشته الحانية أضاءت تلك القتامة، ومن خلف نظارته القديمة ذات العدسات السميكة والإطار البلاستيكي الأسود أطلّت عينان ودودتان، وقد تحايل على كسر ذراعيها بلفّاتٍ من الشريط اللاصق، فلم تتمالك مريم ابتسامتها كلما تأرجحت فوق أنفه وجلجلت قهقهاته واهتزّ كرشه.
انتزع مريم من تأملاتها صوتُ موظفٍ شاب يجاور عم سعيد، وقد جاهر بمزاحه: أني عارف طبعًا عمنا حِكمدار شباك التذاكر اللي معكر مزاجه مش الطوابير ولا غيره... وكل اللي فارج معاه مواعيد مزلجانات بطنه المربوطة على الفطيرة المشلتتة، وحتة الجبنة الجَديمة اللي ريحتها مهفهفة، وبرطمان العسل الأسمر اللي مخبيهم في الدرفة التحتانية... صح ولا أني غلطان يا سيادنا؟!
انفجر عم سعيد ضاحكًا فتأرجح كرشه الكروي بعنفٍ وانزلقت النظارة عن أنفه، فاندفع من جلسته محاولًا اللحاق بها، لكنها راوغته في الهواء وتدحرجت إلى الأرض بعدما منحتها بدانته السبق، وطقطقت مفاصله احتجاجًا على حركته المباغتة قبل أن تفضح أنّةٌ عالية ما ينكره من تقدّم عمره.
انحنى الشاب فالتقط النظارة وناولها لعم سعيد الذي اعتدل فوق كرسيه يرتّب زيّه الرسمي ثم وبّخه بغيظٍ مصطنع: عجايب يا سي فايز... مسروع على إيه؟! ما أني كنت بأوطي أجيبها خلاص... فاكرني عجزت؟! ولا تكون فكرني عجزت؟! ارجع على كرسيك يلا جوام، ومَتسيبش شغلك تاني إلا لما أقولك.
عاد فايز إلى مقعده ضاحكًا، وتعالت ملاطفات بعض الواقفين تعقيبًا على إنكار عم سعيد كهولته وكبريائه الرافض للمساعدة، أما الرجل فتأفف وهو يعيد تثبيت نظارته فوق أنفه ثم انهمك في عمله ليتناسى زقزقة عصافير الجوع في بطنه.
