أتذكر في طفولتي قصة من الخيال العلمي قرأتها للكاتب الكبير الراحل «عبد التواب يوسف» بعنوان «الأربعة الذين سرقوا الزمن»، أحببتها آنذاك كحدوتة أطفال خيالية ممتعة ولم يخطر ببالي يومًا أن عنوانها سيعود بعد عقود طويلة ليحمل في ذهني معنى مختلفًا تمامًا.
كانت تحكي عن رجلين وامرأتين بلغوا من العمر أرذله واستطاعوا بآلة زمن عجيبة أن يسرقوا أعمار مراهقين في مقتبل الحياة... وفي لحظة خاطفة... عاد الشيوخ شبابًا وانقلب الفتيان إلى مسنين!
لم أدرك وقتها المغزى العميق للقصة، لكنني بعد أن خضت العديد من التجارب الحياتية صادفت أشخاصًا يتمنى الواحد منهم لو يُعمّر ألف سنة.
وهنا أدركت المعنى الحقيقي لسرقة الزمن، حين يستولي بعض الكبار الناجحين ظاهرًا على زهرة عمر شبابٍ موهوبين ومغمورين، ويستحوذون على أحلامهم وطموحاتهم ثم يذيّلونها بأسمائهم، فيظن عامة الناس أن هؤلاء العظماء إما أنهم لا ينامون من فرط ما ينجزون، أو أنهم عباقرة هذا الزمن الذين لن يجود الدهر بمثلهم أبدًا!
والحقيقة أيها الأصدقاء أن كل موهوب لم تُتح له فرصة نظيفة بعيدًا عن الأغراض الخبيثة قد يصبح وقودًا لنجاح زائف يصنعه آخرون، ولهذا لا ألوم شابًا أغرته الكلمات المعسولة وأسكرته الوعود حتى سلّم موهبته طائعًا لمن عرف كيف يستثمر حماسه قبل أن يدرك الثمن.
يُقطف حينها كعنقود عنب يانع ثم يُعصر ما فيه من أفكار وشغفٍ ليملأ كؤوس نجاحٍ لا تحمل اسمه... وحين تجف الثمرة يُلقى ما تبقى منها جانبًا... كأنها لم تكن يومًا مصدر ذلك المذاق كله.
ويفعل هؤلاء الكبار ذلك مطمئنين إلى أن المغمور المجهول لن يعيره عامة الناس اهتمامًا، بل قد ينقلبون عليه متهمين إياه بالكذب والتدليس، ثم يحسمون الأمر بحكم جاهز: أن هذا الشاب الصغير يحاول استغلال نجاح ذلك العظيم كي يصعد إلى الشهرة على أكتافه!
وتظل تلك الحرب مسلطة عليه... حتى ينكسر الموهوب ويتفتت شيئًا فشيئًا، ثم يصبح نسيًا منسيًا.
ولكنني اليوم أثق في وعي هذا الجيل، وفي فتيانه وفتياته الذين أصبحوا أقدر على حماية أعمارهم وأحلامهم، وأشجع من أن يتركوا لأي لص فرصة أخرى ليسرق الزمن.
ويومكم سعيد...
