صادف في إحدى المرات النادرة أن اجتمعت بصحبة زملاء العمل، والأندر أن يكون الجمع خالصًا للرجال!
وما هي إلا دقائق حتى استدرجوني بالحيلة إلى سؤال لم أكن أرغب في الإجابة عنه، فقد دارت دفة الجلسة حتى وصل الدور إلى كل رجل من الحاضرين بالترتيب: كيف يجب أن نتعامل مع المرأة؟!
ولأن الإجابة كانت إجبارية لم أجد مفرًا، خصوصًا أنني أعرف أن رؤيتي في هذا الشأن لا ترضي كثيرين من الرجال، وتتصادم مع العقلية الذكورية الشرقية في نظرتها إلى الأنثى... وربما تصدم المرأة نفسها أيضًا، أقول ربما!
ولن أستعرض ما قيل من عبارات منمقة أو بطولات حاول بها بعض الحاضرين إثبات أنهم الأقدر على فهم المرأة، فأنا لم أشق عن قلب أحد منهم لأعرف إن كان صادقًا فيما يقول أم أنه يراعي فقط موقعه داخل جلسة تحولت إلى حلبة لعرض العضلات والصدور المنتفخة.
ولن أدّعي كذلك أنني وصلت إلى سر الكون أو امتلكت مفاتيح ذلك اللغز الذي يهوى الرجال أن يسمّوه «نصف المجتمع الطري».
لكنني سأسرد ما قلته يومها لأنه كان صادقًا وما زال يعبّر عني حتى الآن، فالمرأة في نظري ليست جميلة بمظهرها وحده، بل بما تملكه من قدرة عجيبة على خلق السكون والتوازن داخل الرجل، وبما تمنحه من مشاعر قد تعيد شحنه كلما أنهكته الحياة، وحين تكون تلك الطاقة حقيقيةً يصبح احتمال الطريق أسهل مهما ثقل حمله... فالرجل يظل يبحث عن ملهمته التي تفجّر بداخله تلك القوة السامية التي تحرّك الجبال... إنه الحب.
أما إجابتي حينذاك فكانت أبسط مما توقع الجميع: أنا لم ولن أعرف كيف أتعامل مع المرأة أبدًا، لكنني أرى فيها أمي التي أنجبتني واحتضنتني بين ذراعيها، وملأت قلبي بالرحمة من كثرة حبها لي، وعلّمتني كيف أحترمها وأحترم الأخريات بقدر احترامي لها.
وأختي التي أحبها كنفسي وأخاف عليها أكثر من روحي، وأشعر تجاهها بمسؤولية تخلو من الوصاية، وترى فيَّ أخًا يلبّي لها الإحساس بالأمان ويكون درعها حين تحتاج إليه أمام قسوة الحياة.
والصديقة التي أثبتت لي أنها لا تقل في «جدعنتها» عن الرفيق الوفي، وعرفت معها أن المرأة قد تكون في أشد لحظاتك ضعفًا أوضح الناس رؤية لك، وأكثرهم قدرة على أن تمنحك شيئًا أكبر مما فقدته، والساحرة التي تعلّمني كلمات أشي بها لمن أحب بما في قلبي.
وقد تكون في غدٍ... لم يأت بعد... ابنتي التي سأضمها بين ذراعيَّ لحظة أن تُولد وهي لا تملك سوى هاتين الذراعين اللتين تحتضنانها، ثم أقضي سنوات عمري أساندها حتى تكبر، وتتباطأ الذراع نفسها وهي تتركها تمضي مطمئنةً إلى زوجها الذي كنت واقفًا مكانه بالأمس في ذات المشهد.
والآن انظر إلى محبوبتك... أليست ابنة لأب كما ستكون أنت غدًا؟ ثم يمضي الزمن فتصبح أمًا لأولادك كما كانت أمك لك ولإخوتك، وربما تكون أختًا لرجل يرى في صونك لها واحترامك إياها ما يجعلك أقرب الناس إلى قلبه وتقديره.
وقبل هذا كله ربما كانت صديقتك التي اقتربت منها رويدًا حتى أَنِسْتَ إليها وأَنِسَتْ بك، ثم صارت حبيبة قلبك التي عشقتها وسلكت شتى السبل لتصبح زوجتك.
أفَبعد كل ذلك لا تزال يا رجل تنظر إلى المرأة كجسد، أو وسيلة لراحة معيشتك داخل المنزل ومتعة ليلة تنتهي حين تدير لها ظهرك نائمًا، ثم تستيقظ باحثًا عن المزيد؟!
تلك هي حقيقة نظرتي إلى المرأة... ولكن...
يبقى داخلي سؤال يحيرني ولم أجد له حتى اليوم إجابة شافية: هل تكون المرأة حين تقول للرجل «أحبك» صادقةً تمامًا في كل ما تخفيه مشاعرها؟!
فقد أسرّت إليّ إحدى الصديقات ذات مرة بكلمات لم أنسها: «المرأة لا تمنح الرجل دائمًا الحقيقة كلها، بل تعطيه أحيانًا ما يريد سماعه... وحتى كلامي لك الآن قد يكون صادقًا وقد أكون كذوبة، لأن شيئًا من مشاعرنا سيظل داخل مجتمع الأنثى السري الذي لن تصل أسراره إليكم يا زمرة الرجال، لتبقوا تحاولون فك ذلك اللغز... ولن تفعلوا!»
وربما لهذا كله كانت إجابتي منذ البداية أكثر صدقًا مما ظنوا...
أنا لم ولن أعرف كيف أتعامل مع المرأة أبدًا!
ويومكم سعيد...
