وما إن هدّد عم سعيد بإغلاق الشبابيك وتعطيل العمل حتى انقلب الجمهور الصامت على الرجل المتذمر، وأمطروه توبيخًا خشية أن تضر حماقته بمصالحهم، وتعاقبت الأصوات الغاضبة: مش ناقصة عَطَلة يا أستاذ... لو مش عجبك يا محترم اطلع من الطابور وشوفلك مواصلة تانية... ياللا يا سيدي، ورانا مصالح وعايزين نلحقها...
ابتلع الرجل لسانه الفظ وعاد يلوذ بالصمت منتظرًا دوره في الصف كأن شخصًا غيره كان يتكلم منذ لحظات، واختلس فايز نظرةً إلى مريم ليرى أثر الموقف عليها، لكنه اصطدم بعينيها تتابعان السجال، فارتد بصره عنها مسرعًا خشية أن يكون أمره قد انكشف.
أما هي فأدركت مغزى نظرته وتوترت في الحال، وتسارعت حركات أصابعها وقدمها وهي تتمنى انقضاء هذا الموقف المحرج، وتوهّمت أن عيون الواقفين جميعًا تراقبها بعدما افتضحت متابعة الشاب لها وأنهم يتسارّون بأمرها، ثم تداخل صخب الحشود في أذنيها مع صفير القطارات المغادرة وأبواق السيارات خارج المحطة حتى عجزت عن تمييز شيء.
حينها بدت لها المَدَنيّة متاهةً والبشر زحامًا خانقًا، وشعرت بصغرها أمام هذا العالم الفسيح، حتى استجمعت عنادها الأنثوي وتركت أوهامها تجتاز رأسها كقطارٍ يدخل بجَلَبته من أذن ويغادر من الأخرى، ثم بلغت شباك عم سعيد ومدّت إليه اشتراك سفرها، فوجدت في نظرته الأبوية واحة حنانٍ أطفأت توترها، وبدا صوته الأجش أرقّ على مسامعها من حفيف أوراق الشجر في قريتها، فداعبها بحنو: إزيك يا بنتي يا مَاريم؟
تمتمت بخجل: بخير يا عم سعيد.
فتفحّص وجهها باحثًا عن ابتسامتها: مالك؟ مش شايف ضحكتك الحلوة منوّرة على وشك!
برّرت فتورها بابتسامةٍ باهتة: آخر الأسبوع والحصّالة خلصانة، وعايزة ألحق القطر.
فأشار إلى الشباك المجاور مازحًا: بس أني شايفك واجفة في الشباك الغلط... وتذكرتك مكانها في الشباك اللي جنبي.
ارتبكت مريم وتأكدت أن عم سعيد يعلم بموقف زميله منها، وأنها لم تتوهّم اهتمام فايز الغامض بها، لكنها تشبّثت بإنكارها متسائلةً: أنا مش فاهمة قصد حضرتك بجد؟!
رفع عم سعيد حاجبيه متعجبًا: معجولة لغاية دلوجتي؟! لاااه... لاااه... لاااه... دي مشكلة عايزالها خبير يحِلّها... طب دعبسي حواليكي حبة يمكن تفهميني.
ازداد توترها واستعاذت بقلق: مشكلة إيه؟! كف الله الشر... أنا حاسّة إني في فزورة!
فطمأنها بابتسامته الودودة: لا فزورة ولا حاجة، وخدي من عمك اللي في مجام أبوكي واسمعي كلامي، وحطيه حَلجة في ودانك... إنتي في مجام بنتي ثريا بالظبط، وأني شفت من الدنيا دي جَدّ عمرك مرتين تلاتة.
اتسعت عيناها وانفرجت شفتاها متوجسةً: قلقتني حضرتك... قول وأنا سامعاك.
أطلق عم سعيد زفرةً طويلة ثم رمق الواقف خلف مريم وقد بالغ في الاقتراب محاولًا التنصت على حديثهما، فردعه بحزمٍ مهذّب: لو سمحت يا محترم! مايصحش لزجتك الزيادة دي... سيب مساحة شوية ورا بنتنا.
رفع عم سعيد رأسه إلى الصف وأشهر بيده اشتراك مريم ثم نادى فيهم بهدوء: معلش يا حضرات! أني لِسّاي جدامي حبة وجت، أبونيه السفر اللي في يدي فيه مشكلة لازمن تتحل، فمن فضلكم اللي هيتعطل يتنجل على الشبابيك الفاضية اللي حدايا... من غير أيوتها تكليف.
ثم التفت إلى زملائه ومنهم فايز الذي كان يتابع ما يحدث بطرف عينه قلقًا، فرفعوا أيديهم يدعون المسافرين إليهم، وسرعان ما تفرّق الواقفون أمام عم سعيد على الشبابيك الخالية لإنهاء إجراءاتهم.
وما إن اطمأن إلى انضباط سير العمل من دون إخلالٍ بواجبه حتى التفت إلى مريم واستعاد حنانه الأبوي الدافئ: الدنيا دي يا بنتي يا مَاريم عاملة زي الجَطر، والواحدة في سنكم أول لما بتركب بتبجا فرحانة بالزحمة اللي حواليها، وكل الناس باصّين لها وواخدين بالهم منها...
