يظل الشباب في كل أمة أحد مقاييس قوتها أو ضعفها، فهم الطاقة التي تنهض بها الحضارات أو تخبو معها، ولم تكن الأندلس بمعزل عن هذه القاعدة.
وقد وصلتني منذ سنوات حكاية متداولة لا أعرف مصدرها الدقيق، تربط بين حال الشباب وسقوط الأندلس.
أعجبني مغزاها... فأعدت نسجها وصياغتها من جديد، لا بوصفها رواية موثقة لما حدث، وإنما كعبرة تحمل معنى أراه جديرًا بالتأمل... وربما هدفًا يستحق أن نسعى إليه يومًا ما.
تبدأ الحكاية بأن القشتاليين والبرتغاليين كانوا يرسلون جواسيسهم إلى الأندلس ليستطلعوا أحوالها ويقفوا على قوة أهلها، فلا يجرؤون على غزوها قبل أن يطمئنوا إلى ضعفها.
وفي إحدى المرات دخل جاسوس قشتالي متنكرًا في ثوب تاجر أجنبي، فوجد على أبواب المدينة حراسًا أشداء، وظل يتحايل عليهم حتى نجح بعد عناء في العبور.
ومضى يتجول بين أحيائها حتى وصل إلى بستان، فرأى هناك شبابًا يتسابقون على خيولهم، وآخرين يتبارزون بالسيوف ويتدربون على فنون القتال.
وبمنأى عنهم جلس شاب صارم الملامح مفتول الساعدين، تنبض عيناه بعزيمة صلبة، وبرغم ثباته بدا وحيدًا مثقلًا بحزن يكاد ينفلت من عينيه.
فاقترب منه الجاسوس وسأله: ما سبب حزنك أيها الشاب القوي؟!
أجابه بصوت متحشرج: لي صديق فاقني في حفظ القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ... ولهذا أنا حزين.
أثارت إجابته دهشة الجاسوس، فمضى مبتعدًا عنه حتى لمح على مقربة صبيًا ناشئًا شديد البأس والمهارة، يتدرب على الرمي بالقوس والنشاب كأنما يلهو، ويصيب هدفًا متحركًا تلو الآخر، ثم جلس مكفهر الوجه.
فدنا منه الجاسوس يلاطفه: أنت بطل حقًا... أصبت تسعة من عشرة أهداف، فلماذا لا أرى عليك أثرًا للفرح؟!
أجابه الصبي: ألا تعلم أيها التاجر... لو كان أمامي عشرة من الأعداء لأصبت تسعة وتركت واحدًا يفر بنفسه... فكيف أفرح؟!
عندها عاد الجاسوس إلى بلاده يحذر قومه من غزو الأندلس، فقد أدرك أن أمة يتنافس شبابها في العلم والقتال ما تزال في أوج قوتها وشموخها.
وهكذا ظل الشباب عنوانًا لقوة الأندلس وهيبتها في تلك الحكاية.
ولكن... مرت العقود وتقلبت الأحوال، فتبدلت الشدة وهنًا والعزيمة فتورًا، حتى جاء جاسوس آخر يتحسس الأخبار، فتمكن هذه المرة من دخول الأندلس دون أدنى عناء.
وما إن توغل في أنحاء المدينة حتى وجد شابًا ينتحب بحرقة، فدنا منه وسأله: ما سبب بكائك أيها الشاب؟!
أجابه في أسى: محبوبتي هجرتني من أجل شاب أوسم مني وأكثر مالًا.
ثم انخرط من جديد في بكائه، فمنحه الجاسوس ابتسامة خفية ومضى في طريقه، حتى صادف شابًا آخر يجلس على حافة بئر جافة، يحدق في أعماقها بحسرة وعينين تغشاهما الدموع.
فاقترب منه وسأله: وما الذي يجعلك تحدق في البئر بكل هذا الحزن؟!
أجابه ملتاعًا: سقط خاتم جاريتي في قاعها، وأقسمت إن لم أخرجه لها أن ترغمني على بيعها لسيد غيري... وأنا لا أملك مالًا لشراء خاتم آخر، ولا أجد في نفسي الشجاعة لأهبط إلى البئر وأستعيده.
وانهمرت دموعه من جديد...
عندها لم يحتج الجاسوس إلى مزيد من التجوال، فعاد مسرعًا إلى قومه يحمل إليهم البشرى التي كانوا ينتظرونها، ويحثهم على اغتنام اللحظة، فقد رأى بعينيه أن ما كان بالأمس قوةً وعزيمةً قد أصبح وهنًا وانشغالًا بما هو أدنى!
وكان الوقت... قد حان...
وفي مغزى الحكاية... لم يكن سقوط الأندلس وليد لحظة عابرة، فالأوطان لا تنهار فجأة، وإنما يبدأ الوهن حين يغفل أبناؤها عن أنهم عصب قوتها وصُنّاع مستقبلها.
وبعد قرون من المجد ضاعت الأندلس، وبقي الدرس... فالتاريخ لا يرحم الغافلين، والمجد ليس ميراثًا مضمونًا!
ويومكم سعيد...
