د. ماجد جاهين
نقوش جاهين

شباك تذاكر

إعدادات القراءة

وشوية شوية الزحمة بتجل، ومع كل محطة بتنزل ناس وتركب ناس تانية غريبة عنّيها... وفي كل مرة بتزيد الوِحدة وتروح العِشرة، وفي آخر الخط بتلاجي الواحدة نفسيها باجت لوحدها... ومحدش عاد واخد باله منها خالص.

بادلته مريم ابتسامةً ودودة شابها الفضول: والمقصود يا عم سعيد؟

ظن عم سعيد ابتسامتها قبولًا لنصيحته، فأومأ بطرف عينه إلى فايز المنشغل مع المسافرين وابتسم ملء وجهه: من الآخر الشابة زيك أول ما تلاجي الراجل اللي شاريها وعينه منيها، ما تستناش لحظة وتضيع الفرصة، وتختاره وتربط نفسها بيه... ده عشان تكمل معاه المشوار لغاية آخر الخط، وساعتها هتلاجي اللي ينزل معاها محطتها، وما تبجاش عايشة بطولها في الدنيا دي من غير سند يضلل عليها ويراعيها... فهمتيني؟ ولا محتجاني أوضحلك أكتر من إكديه؟!

رفعت مريم عينيها إلى ساعة المحطة وأطالت النظر، تطمئن إلى اتساع الوقت للحاق بقطارها وتمنح نفسها مهلةً تزن فيها ردها على رجلٍ تحترمه، ثم أخذت نفسًا عميقًا وزفرته ببطء قبل أن تواجهه بوقارٍ واثق: فهمتك وبشكرك يا عم سعيد... بس اسمحلي أنقل لحضرتك وجهة نظر البنت النهاردة... مش حقيقي إن الواحدة مننا بتبقى فرحانة بالزحمة، ولا بالعيون المبحلقة فيها...

صمتت لحظة ثم استأنفت بهدوءٍ لم يخفِ حسمها: واسمحلي كمان وأنا في مقام بنتك أوضحلك... اللي بتقوله حضرتك ده إجبار... مش اختيار! والفرصة مش معناها إن أول واحد ياخد خطوة نحية بنت ويقرب منها يبقى هو الشخص المناسب ليها ولازم توافق عليه! معلش... دي أنانية الراجل اللي فاكر إنه صاحب الحق في أيوه ولأ... وهي عليها تقول حاضر وخلاص!

حاصرته حجتها بما يخالف الأعراف التي وُلد ونشأ عليها، فاستند إلى ما رسخ في مجتمعه من يقين: بس يا مَاريم البنت مسيرها للجواز... والواحدة ملهاش غير الخلفة وبيتها وعيالها... وراجل يضلل عليها بجنحاته ويستر عليها.

نظرت إليه طويلًا وقد عجِبت كيف بقي فكره عالقًا في زمنٍ سحيق، لكنها احتوت دهشتها احترامًا له: أرجوك يا عم سعيد... التفكير ده كان زمان، وما بقاش ينفع تفرضه حتى على ثريا بنتك.

هو أكيد كل بنت بتحلم بالبيت والولاد... وغريزة الأمومة فطرة جوانا... بس قبل ده كله أنا إنسانة... من حقي أفكر وأختار، وتكون ليا الحرية الكاملة إني أحقق أحلامي وطموحاتي في الحياة.

وعلى فكرة... جزء كبير من المشكلة سببه الراجل اللي ما بيبطلش بصبصة على كل البنات في القطر... اللي ناوية تنزل واللي لسه طالعة.

حار عم سعيد أمام منطقها واستنفر ما بقي لديه دفاعًا عن بني جنسه: بس يا بنتي مش كل الرجالة إكديه؟! صحيح فيهم اللي بيحب بدل الواحدة عشرة وبيجري وراهم... وفيهم الملتزم اللي بيعرف يمسك نفسه عن الغلط... وإنتوا يا بنات مفروض يبجى طموحكم في الدنيا عيشة أمان مرتاحة زي اللي في بيت أهاليكم... مش أكتر من إكديه!

التمعت عينا مريم بحسمٍ واثق: البنت خلاص ما بقتش محبوسة في بيتها زي زمن حضرتك... عشان لما تكبر ما تبقاش حاسة بوحدة أو غربة... والنهارده أمانها الحقيقي بعد ستر ربنا هو تعليمها ووظيفتها... مش الجواز وبس!

وأحب أعرّف حضرتك إن الدنيا كلها بقت معاها... وكل يوم بتتفتح لها ألف فرصة جديدة... وبقى لها حق الاختيار إنها تقول لأ لو اتفرضت عليها كلمة نعم...

وزي ما أبويا قالي: «إوعي تيجي على نفسك ولا على مستقبلك أبدًا»... فمن فضلك اشتراكي وتذكرتي... عشان أنا كده هتأخر على معاد قطري.

— النهاية —

شارك النص
تقييمك

تعليقات القرّاء

يظهر تعليقك بعد المراجعة

نتائج البحث