د. ماجد جاهين
نقوش جاهين

شباك تذاكر

إعدادات القراءة

هدأ الجمع وتقدّم صف مريم ببطء، فعاد يساورها هاجس نفاد الوقت، ولم تلحظ نظرات فايز المختلسة إليها من خلف زجاج شباكه كلما سنحت له لحظة بين إنهاء معاملات الجمهور والرد على أسئلتهم بشأن مواعيد القطارات وأرصفة انطلاقها، وكأن اللوحات الإرشادية المنتشرة في المحطة غير مرئية!

وانكبّ على تلبية طلبات المسافرين مقتنصًا بطرف عينه ملامح مريم ليحفظها في مخيلته قبل أن تبلغ مقدمة صف عم سعيد، مثلما يفعل كل خميس دون أن تشعر به، لكن نشاطه أغرى مزيدًا منهم بالانتقال إلى الصف أمام شباكه، ولم ينقذه من تدفقهم إلا نفاد ورق التذاكر من آلة الطباعة.

اعتذر فايز بهدوء للجمهور المحتشد أمامه: آسف يا حضرات... كلها عشر دجايج وهتيجي بَكرة ورق غيرها من المخزن.

تململ الواقفون أمام خيار الانتظار أو الانتقال إلى ذيل صفٍ آخر، وتعالت البرطمة في وجهه حتى هتف أحدهم متهكمًا: يعني ده اسمه كلام؟! موظفين البلد دي مش ناويين ينصلح حالهم ويتعلموا النظام؟! فيها إيه لو كان بَكَر ورق اليوم كله تخليه جنبك؟! ولا هي عَطَلة والسلام؟!

وتبادل كبار السن أحاديث جانبية عن مساوئ الحياة الحاضرة وما نعموا به في زمن شبابهم، ونال فايز نصيبه من انتقاداتهم المبطنة لجيل اليوم المفتقر في رأيهم إلى المسؤولية والتفاني في العمل، بخلاف ما تحمّله جيلهم من مشاق.

عندها أغلق فتحة شباكه ليعزل سمعه عن نغمةٍ أيقن أنها لن تتغير، وكأنها ميراث تتناقله الأجيال، فما من جيلٍ إلا يتمرد في أوج فتوته على آراء من سبقوه، ثم تدركه الكهولة فيغزو الشيب شعره وتحفر التجاعيد وجهه، فإذا به يعتنق ما رفضه يومًا ويجزم أن زمن شبابه كان أفضل من الحاضر.

استرق فايز نظرة إلى الفتاة التي اختصها قلبه من بين الحشود لتكون محطته المنشودة، وهو يحلم بتذكرة ذهابٍ بلا عودة تحمله إليها.

لم تتغير عادتها المرتبكة منذ رآها أول مرة، فقدمها لا تكف عن لكز حقيبة سفرها الصغيرة، وانزلق بصره من عينيها العسليتين الواسعتين إلى أنفها الدقيق وخديها البارزين فوق بشرتها الخمرية اللامعة، ثم إلى فستانها المحتشم الذي وارى تفاصيل جسدها الناضج ولم يمنع خياله من رسم منحنياته الواعدة واستشفاف فتنة صباها.

وسافرت به أحلام اليقظة إلى غدٍ يراها فيه ببيته زوجةً تصحو فجرًا لتعد الطعام وترعى أطفالهما في غيابه، حتى إذا عاد آخر اليوم بعد نوبة عمله أغدقت عليه من دلالها وقضت الليل تلبّي رغباته الحميمية وتمتّعه بأنوثتها.

وعلى حين غُرّة وصلت بَكرة التذاكر، فبدّدت ضبابه الوردي وأعادته إلى عمله متكدّرًا، فانتهز أحد الواقفين عبوسه ورفع صوته ليستميل الجمهور إلى سخريته: يا سلام على البوز والتكشيرة! متضايق أوي إنك رجعت تشتغل... طيب حلّل يا أخي المرتب اللي بتقبضه!

رمق فايز المتحدث مليًا وهو يزن ردّه خشية أن ينفلت منه لفظٌ يسيء إلى جهة عمله أو يشوّه صورته أمام فتاة أحلامه، فابتلع غضبه وتعثّرت كلماته: لو الواحد جَاسَها بالمرتب زي ما بتجول... كنا نشتغل الساعات الرسمية وخلاص على كده، بس الواحد مننا بيراعي رَبنا... وبيشتغل بزيادة عن أوجات العمل من غير أيوتها حاجة.

فاشتدت سخرية الرجل واقترب من الشباك مستفزًّا: لو الواحد قاسها بالمرتب! شكلك معوج ومتبطر على رزقك... وشايف نفسك بتقبض ملاليم قصاد مقامك العالي.

وتوقّف برهةً يجيل بصره في وجوه الجمهور الصامت فلم يجد من يجاريه، لكنه أصر على استكمال تعليقه اللاذع: آدي اللي نابنا من شقلبة الحال... طلعلنا جيل ما يعلم بيه عالم... ما تقوم تفز...

وقبل أن يتم عبارته دوّى صوت عم سعيد الأجش مقاطعًا، وهبّ كأسدٍ يذود عن عشيرته: مالك يا أستاذ طايح فينا كأننا شغالين في الأبعدية بتاعتكم؟! لو مش عجبك الحال اتفضل روح اشتكينا، أو نجفل الشبابيك ونبطل شغل... لغاية ما نشوف اللي يرضيك يا محترم.

شارك النص

نتائج البحث