عندما هتفت نداهة الكتابة باسمي، لم أكن أعلم وقتها قواعد أو أسسًا أكاديميةً كي أبدأ، وكان كل ما أملكه حصيلة قراءاتي منذ الطفولة، والتي منحتني مخزونًا ضخمًا من المفردات ومعرفةً بأساليب مئات الكُتّاب الرائعين.
لكن هذا لم يمنعني في مرحلة الدراسة الإعدادية من المحاولات الأولى التي كانت تبدو في حينها عبقريةً، والتي عند قراءتها الآن أشعر بالفخر رغم سذاجتها، لأنها كانت معبرةً عما كان يجول في خاطري بصدق، وما زالت ملهمةً لي حتى اليوم.
ومع انتقالي التدريجي من الهواية إلى الاحتراف، راودتني أسئلةٌ عديدة يطرحها أغلب المبتدئين:
هل ما أكتبه يستحق القراءة فعلًا؟!
من أين أستقي حبكات القصة القصيرة؟
متى أصير قادرًا على تأليف رواية طويلة؟
أين أعثر على صفات أبطال حكاياتي؟
كيف أكتب حوارًا طبيعيًا بأصوات مختلفة؟
لكن السؤال الذي سبقها جميعًا:
لماذا أكتب أصلًا؟
قد يبدو السؤال فلسفيًا أكثر مما ينبغي، لكنه عمليٌّ للغاية، لأن هناك مَن يكتب لأنه يحمل حكاية لا تكف عن مطاردته، وآخر يكتب لأنه وجد في الكلمات مساحةً يستطيع أن يقول فيها ما لم يستطع قوله في حياته، ومَن يريد أن يفهم شيئًا حدث له، أو يسعى لأن يستبدل واقعًا لا يعجبه ببناء عالمٍ خاصٍّ به.
ومَن يريد أن يُرى...
ومَن يريد أن يُسمع...
ومَن يريد أن يحكي...
ولا توجد إجابة أكثر «أدبية» من الأخرى، فالمشكلة تبدأ عندما لا تعرف إجابتك أنت.
ماذا يحدث عندما لا تعرف لماذا تكتب؟
تخيل كاتبًا يبدأ رواية لأنه يحب فكرة أن يصبح روائيًا، يكتب عشر صفحات... ثم عشرين... ثم تبدأ الحماسة في التراجع حتى تخبو وتزول، وتبدأ الأسئلة في مطاردته أكثر مما تطارده الحكاية نفسها:
هل الحبكة مكشوفة إلى حدِّ توقّعها مبكرًا؟
هل أحتاج إلى دورة في بناء الشخصيات؟
هل المشكلة في الأسلوب؟
هل... هل... هل؟!
وقد تكون المشكلة أبعد من كل ذلك، ربما لم يكن هناك شيءٌ يريد هذا الشخص قوله منذ البداية، وكان كل ما لديه رغبة في أن يبدو كاتبًا، لا رغبة حقيقية في خوض فعل الكتابة نفسه.
والفارق بين الاثنين أكبر مما يبدو، فالكتابة ستضعك عاجلًا أو آجلًا أمام أيام لن تكون فيها متحمسًا، وستواجه مشاهد لن تعرف كيف تبنيها، وفصولًا ستعيد كتابتها، ونصوصًا ستكتشف بعد ساعات من العمل أنها لا تصلح... وحين تختفي متعة البدايات، يبقى هدفك الأصيل من فعل الكتابة.
دوافع الكتابة ليست واحدة
قد تكتب لتفهم نفسك، أو لتتخلص من شيءٍ داخلك، أو لأن التجربة تصبح أوضح عندما تتحول إلى كلمات.
وربما تكون الكتابة بالنسبة إليك وسيلة لمقاومة النسيان، أو تسجيل ذكرياتك لزمنٍ فات، وأنت تعلم أن الكتابة هي الوعاء الأبقى لحفظ أشخاصٍ وأماكنَ تعرف أنها ستختفي يومًا.
وأحيانًا تكتب لأن لديك سؤالًا فكريًا تريد اختباره داخل حكاية تشارك بها القراء رؤيتك، أو لأن العالم المتخيل داخل عقلك لا يكفيك أن تسكنه وحدك، فتحتاج أن ترى كيف سيعيشه الآخرون معك.
وقد يكون دافعك أبسط من كل ما سبق... أنت تستمتع بصناعة الحكايات... وهذا في حد ذاته سببٌ كافٍ كي تستمر.
وقد تبدأ الكتابة لتتخلص من شيء داخلك، ثم تكتشف أنك تحب صناعة النص نفسه، وبعد سنوات تتحول الكتابة إلى طريقة ترى بها الحياة.
نحن هنا لا نبحث عن الإجابة الصحيحة، ولا الأجمل، ولا الأكثر نبلًا... لأن هناك سؤالًا أخطر يجب أن تواجه به ذاتك:
«ماذا لو عرفت أن أحدًا لن يقرأ ما كتبته... هل سأظل أكتب؟!»
لا تتعجل الإجابة...
إن كانت «نعم» فهناك شيءٌ في الحكاية يخصك قبل أن يخص القراء.
وإن كانت «لا» فليس معنى ذلك أنك لست كاتبًا، لأنك ستدرك أن التواصل مع الآخرين جزءٌ أساسيٌّ من دافعك الذي يجب أن تعرفه.
واعلم أن من حق الكتابة أن تكون متعةً أيضًا، وليس مطلوبًا من كل نص أن يحمل مصائب العالم فوق كتفيه، لكنه يحتاج إلى سببٍ لا يزول مع مضي الوقت، يجعلك أنت تحمله حتى النهاية.
جرّب الآن...
خذ ورقة واكتب في أعلاها:
«أنا أكتب لأن...»
ثم أكمل الجملة، ولا تبحث عن الإجابة الجميلة المنمقة بهدف تغيير الكون وإصلاح أحوال البشرية.
المهم ألا تتوقف...
اكتب الثانية...
ثم الثالثة...
ثم الرابعة...
حتى تنفد منك الإجابات الجاهزة، واطرق بها أبواب رأسك:
لماذا أحب الكتابة؟
ما الذي تمنحني إياه ولا أجده في مكان آخر؟
ما الذي أخشى أن أفقده إذا توقفت؟
ما النص الذي سأندم لو متُّ قبل أن أكتبه؟
هنا قد تبدأ الإجابة الحقيقية في الظهور... ولا يلزم أن تكون نبيلةً، ولا شاعريةً، ولا حتى منطقيةً... يكفي أن تصبح بوصلةً توجهك عبر مسارات الكتابة الإبداعية.
شفرة جاهين:
«مَن لا يعرف لماذا يكتب... يضيع منه الطريق كلما تعثّر القلم».
ولذلك، قبل أن نتعلم في الشفرات القادمة كيف نؤسس النص...
نحتاج أن نعرف أولًا:
ما الذي سيعيدك إلى الكتابة... كلما فكرت في التوقف؟
