د. ماجد جاهين
نقوش جاهين

سر القارورة

إعدادات القراءة

ما إن فرغ من تجوّل بصره في ثنايا جسدها البلوري حتى أطبقت قبضته على رأسها الأنثوي المنحوت من العاج، يلويه يمينًا ويسارًا برفقٍ تارةً ويُقاسِره عنوةً تارةً أخرى، لكنها أبت الاستجابة لمحاولاته، وكلما ضاعف قوته ليُخضعها اشتدّ عنادها واستعصت على الفتح، فخشي أن تتهشّم بين يديه إن تمادى.

توقّف لحظاتٍ يلتقط أنفاسه وحدّق بغيظٍ في القارورة المستقرّة في راحة يده اليسرى، وقد اكفهرّ وجهه وخُيّل إليه أن ابتسامةً ساخرةً تعلو ثغر المرأة العاجية وتتّسع شامتةً به، فهاجمته أفكارٌ ساخطةٌ حرضته على إلقائها في البحر لتعود من حيث أتت ويستعيد صفو عزلته، وفي غمرة صراعه مع خواطره الثائرة لم ينتبه إلى رزقٍ وفير علق بشَصِّ صنّارته، ولا إلى ذراعها المثبَّتة في شَقّ الصخر خلفه تهتز تحت مقاومة الصيد الشرسة حتى انخلعت من مكمنها وحلّقت في الهواء.

فجأةً التمع جدار القارورة البلوري كمرآةٍ تعكس له رزقه الموشك على الإفلات، فسرت في روحه قوّةٌ مباغتة دفعت جسده المتيبّس إلى قفزةٍ لم يعهدها، فالتفت منتفضًا إلى الصنّارة المحلّقة ومدّ يمناه فقبض على ذراعها قبل أن تهوي في الماء ويفلت صيده الثمين إلى الأبد، وغرس كعبيه في الصخر كخطّافين كبحا اندفاعه وحفظا توازنه.

تلاحقت أنفاسه وتسمّر في وقفته حائرًا بين ذراع الصنّارة التي تشبّثت بها يمناه وهي تصارعه لتنفلت، والقارورة المستكينة في حضن يسراه كأنها ترفض الرحيل، لا يدري أيّتهما يستبقي وعن أيّتهما يتخلّى بغير رجعة، فمرّت دقائق ثقيلةٌ عجزت فيها نفسه عن استيعاب حقيقة ما جرى أو الاهتداء إلى قرارٍ حاسم، وتأرجح الميزان بين قلبه وعقله حتى أيقن أن الغيب سيبقى محجوبًا عن البشر لحكمةٍ لا يعلمها إلا الخالق.

عندها اهتدت فطرته إلى ما يجب فعله، فعاد إلى مجلسه بثباتٍ يُغاير ما عهده في نفسه، عازمًا على تمزيق شرنقة العزلة التي طالما أبى مغادرتها، متجاوزًا يقينه القديم بأن التمسّك بالعادات الموروثة وحده يحصّنه من غموض الغد وتقلّبات الدهر.

وبدا كأنما وُلد من جديد وهو يجذب خيط صنّارته بحماسٍ يضبطه التعقّل، مترقّبًا رزقه الآتي من أعماق البحر، ويرمق القارورة التي آثر أن يؤويها في كنفه وثنايا قلبه إلى أن تكشف له أسرارها بكامل إرادتها وتختار أن تحيا إلى جواره، وسيواجهان معًا ما تحمله لهما الأيام بإذن مالك الغيب.

—  النهاية —

شارك النص
تقييمك

تعليقات القرّاء

يظهر تعليقك بعد المراجعة

نتائج البحث