د. ماجد جاهين

الفصل الثاني — ممالك الآخرة

جارٍ تجهيز صفحات الكتاب…

نهاية الفصل الثاني

غير أن الغريب لم يملك سوى أن يهمس بما بقي من قوته بلغةٍ عتيقة اندثر صدى كلماتها منذ زمنٍ سحيق:

«جــاي»

ثم هوى مغشيًّا عليه قرب شِيمبو المُسجّى أرضًا، وسط ذهول الجميع.

٣٥

عض كُو شفته وشرد ببصره بعيدًا فعادت تحدق فيه بسخطٍ مكتوم، تجوب بعينيها وجهه المربع الذي حفرت المعارك فيه ندوبها، وتخلل الشيب ضفائره الكثيفة المعقودة فوق رأسه، وأحاطت لحيته المهيبة فكيه كلبادة أسدٍ إفريقي.

لكنها كظمت غضبها واستأنفت تقطيب جرحه ثم طهَّرته وضمدته بعناية، وما إن مالت بظهرها للخلف حتى نهض كُو مستعدًا للمغادرة وأومأ شاكرًا.

في تلك اللحظة بلغ مسامعهما وقعُ خطواتٍ مسرعة تقترب من الباب الخشبي فهبت سَارة بلهفة وقد عقدت حاجبيها كأي أم غاضبة: أكيد طارق وصل!

وانفتح الباب على مصراعيه فاندفع ابنها للداخل يتبعه الشاب حاملًا الكلب على كتفيه، فتبدلت ملامح سَارة من الغضب لذهولٍ ممزوج بالفزع واتسعت عيناها وانفلتت منها شهقةٌ حادة قبل أن تتجمد في موضعها عاجزة عن الحركة أو النطق.

فورًا استيقظت غريزة المحارب في كُو فاختطف مبضعًا من حقيبة الإسعافات واستدار مواجهًا الدخيل متأهبًا وعيناه لا تفارقان حركاته.

لكن الشاب لم يمنح أحدًا فرصة للكلام إذ ترنح من شدة الإعياء فأنزل شِيمبو أرضًا ثم قصد سَارة يجر قدميه واهنًا مادًّا يده، فأحكم كُو قبضته على المبضع متأهبًا للانقضاض.

٣٤

ترددت هنيهة وهي تحاول تهدئة اضطرابها ثم باحت بما تخشاه: أنا بس قلقانة إن طارق اتأخر قوي على غير عادته.

عادت سَارة إلى صمتها منشغلةً بمهمتها العلاجية فغرق كُو في تأملها مأخوذًا بهيبة حضورها وما يكنه لها من احترام.

لم تتغير ملامحها عما عرفه منذ شبابهما، وظل شعرها الكستنائي المموج يؤطّر وجهها المستدير الذي تتوسطه عيناها العسليتان الواسعتان المسحوبتان عند الطرفين كسائر أفراد عائلتها، وبقي يتلألأ فيهما ذكاءٌ واثق وعزةُ نفسٍ.

وزان ملامحها أنفٌ مستقيم وشفتان ممتلئتان، وزادت غمازتا خديها من حسنها، وأكسب ثوبها الطويل المطرز يدويًّا جسدها القوي المشدود رونقًا خاصًّا حتى بدت في عينيه ملكةً عظيمة خُلِّدت صورتها على جدران المعابد القديمة.

أفاق كُو من تأملاته على انهماكها في مداواته فحاول طمأنتها: إيِر عارفة إن ولادك الاتنين، طارق وحَسناء، فيهم أبرتي كُوول أبوهم... ومتقلقيش عليه... مُوتُّر سُندي.١

رمقته سَارة شزرًا ثم أشاحت بوجهها وردت ببرودٍ لا ودَّ فيه: يا ريت أبوهم كان موجود بينا دلوقتي.

٣٣

وفي قلبها استقرت مائدة طعام تحفُّها مقاعد نُحتت بإتقان من جذوع الأشجار.

جلست على أحد المقاعد امرأة في منتصف الأربعينيات ذات بشرة خمرية فاتحة وبقربها حقيبة إسعافات أولية، واستقر أمامها رجلٌ في مستهل الخمسينيات أبنوسي الجلد مفتول الذراعين يمد إليها ساعده في صبر وهي تخيط جرحًا عميقًا بإبرةٍ وخيطٍ طبيين.

تطلع الرجل إليها وهي تعالج إصابته، ورغم ما تشع به ملامحه من قوةٍ وهيبة قائدٍ محارب ظل الخجل باديًا في نظراته، وحين ابتلع ريقه متوترًا انبعث من حلقه صوتٌ خافت فرفعت رأسها إليه وخفض بصره هربًا من عينيها.

مرت لحظات ثم تمتم في خجل بخشونةٍ عميقة خالطتها الوداعة والطيبة: آيَا دِجري سُوي منك يا سَارة... الوقت اتأخر، وجهلي في الميكانيكا خلاني أشغّل مولد الحرارة بإيدي كِني عِدة، و آيَا معنديش خبرة طبية زيك إيِر أو دكتور بِشارة، ولولا سفره عشان يوفرلنا الأدوية... كنت...١

قاطعته سَارة بطمأنةٍ دافئة لم تحجب قلقها المتصاعد: إنت عارف يا كُو إن بيت أُمي، كَبيرة عَشاير جبال فرعون، مفتوح للكل طول الوقت، ولولا تصرفك كانت الأهالي وكمان... إحنا معاهم اتجمدنا من البرد في بيوتنا.

٣٢

تفاصيله، ومضى طارق إلى قلب المستوطنة حتى بلغا تلًّا صغيرًا يكسوه العشب وفي جانبه مدخل حجري تكتنفه مشاعل برونزية متقدة، يقود إلى ممر طويل تكسو جدرانه مادة ذاتية الإضاءة تبعث وهجًا أصفر خافتًا.

جذبت انتباه الشاب منحوتةٌ جرانيتية كبيرة تعلو المدخل الحجري في هيئة لوحٍ مستطيل طويل يتوَّجه قرصٌ دائري يحمل في مركزه حجرًا أزرق كرويًّا دقيقًا، ونُقش على جانبيها رمزٌ غائر متكرر يشبه شكلًا متقاطعًا تعلوه حلقةٌ بيضاوية كدمعةٍ مقلوبة.

وللحظةٍ خُيِّل إليه أنه يعرف ذلك الرمز أو رآه في زمنٍ بعيد لاايذكره، لكن الإحساس تلاشى سريعًا حين عاوده الدوار فاستند بكتفه إلى جدار المدخل وأغمض عينيه محاولًا استعادة توازنه، وظل واقفًا يلتقط أنفاسه المتلاحقة.

راقب طارق رفيقه بتعاطف وآثر الصمت خشية إيقاظ أهل العشيرة، ثم حدق في الباب العتيق الموصد عند نهاية الممر الطويل وقد صُنع من عوارض خشبية غليظة دعمتها قضبان حديدية تزيده متانة، فحاصرته هواجس ما ينتظره خلفه وقرر التمهل قليلًا حتى يسترد الشاب قواه ويستجمع هو ما بقي من شجاعة للمواجهة المقلقة.

* * *

كانت خلف الباب الموصد حجرةٌ نظيفة تكتنفها خمس غرف مغلقة الأبواب، وقد طُليت جدرانها الحجرية وسقفها بمادةٍ ذاتية الإضاءة تبعث ضوءًا أبيض هادئًا يملأ المكان سكينةً،

٣١

تسللت الحيرة إلى الشاب حين وجد الطريق منقطعًا عند الجبل، ودنا طارق بحذر من جذع شجرة متعمدًا حجب وجهه عن رفيقه الغريب كيلا يلحظ التئام جروحه دون أثر بعدما محا المطر ما علق حولها من دماء.

تابعه الشابُ بفضول وهو يُدخل يده في تجويفٍ بجذع الشجرة فومض داخله ماسحٌ رقمي، وفجأة اهتز جزء من السد الجبلي وتلاشى عنه تمويهٌ هولوجرامي هائل فظهر خلفه حاجزٌ أزرق من حقل قوى تتراص خلاياه السداسية كقرص النحل مانعًا الدخلاء من بلوغ موطن العشيرة.

فور انفتاح بوابة العبور رفع الشاب بصره فرأى قبة تمويه عملاقة يشكلها حقل القوى، تُظهر السماء ونجومها المتناثرة وتنساب أشعتها الزرقاء الخافتة فوق مستوطنة بحجم قرية صغيرة مخفية عن الأنظار وأجهزة الرصد.

وبالكاد ميَّز وسط الإضاءة الشاحبة ساحةً ترابية ساكنة تحيطها مئات المساكن البسيطة التي تتنوع بين أكواخ خشبية وبيوت حجرية متداعية، وانتشرت بينها أطلال تشير إلى أن المكان كان يومًا أكثر عمرانًا قبل أن يطاله الخراب.

استغل طارق خفوت الضوء فالتفت إلى الشاب مشيرًا إليه بالصمت لأن الجميع نيام، ثم جذبه خلفه فعبرا البوابة التي انغلقت تلقائيًّا وراءهما وعاد السد الجبلي الوهمي يحجب المستوطنة.

خلال سيرهما لمح الشاب خلف المساكن رقعًا زراعية صغيرة يتوسطها منشأةٌ منعزلة بدت أكثر تطورًا من سائر الأبنية، لكن الظلام حال دون تبين

٣٠

حاول العلماء تحليل تركيبتها بأجهزتهم لكشف سرها، لكن شاشاتهم أظهرت النتيجة المخيفة: «مجهول»، فتعلقت أبصار الحاضرين بالسفينة وهي تدور ببطء حول محورها حتى استقرت عينها السوداء في مواجهة الأرض.

وفجأة تموَّج سطح العين مطلقًا دواماتٍ من الغبار الأسود، وانهمرت منه جسيمات لزجة يكتنفها إشعاعٌ أحمر فتجمعت فوق المهبط وتلاصقت تدريجيًّا حتى تكوَّنت منها كتلةٌ واحدة.

واشتد دوران الجسيمات حول الكتلة حتى تشكَّل وسط الغبار شبحُ رجلٍ مهيب يتكئ منحنيًا على عصا طويلة يشع من أعلاها ضوءٌ أحمر، ثم أخذ يشق الدوامات متثاقل الخطى.

فبرزت قدمه اليسرى في صندلٍ مجدول بخيوطٍ غليظة من الذهب تلتف حول ساقه الهرمة حتى منتصفها، وانحسر الغبار عنه فلم تبقَ سوى غلالةٍ خفيفة من الضباب تكتنفه وتحجب معالمه.

* * *

وبالتزامن مع ما يجري في القلعة وصل طارق إلى أحراشٍ كثيفة يتبعه الشاب حاملًا شِيمبو فاقد الوعي على كتفيه، وقد تشابكت أغصان أشجارها العملاقة فوق رأسيهما فحجبت السماء واشتد سواد الليل، ولم يعد يضيء دربهما سوى سهّارة الفتى حتى بلغا سدًّا جبليًّا مصمتًا بعد مسيرٍ طويل أضناهما.

٢٩

لكن إياك واستخدام زنزانة الأعماق إلا عند بلوغ الخطر أقصاه وبأمرٍ مباشر مني.

انتصب الوزير مؤديًا تحية القَفطَريم العسكرية، فرفع ذراعه اليمنى أمام صدره بزاويةٍ قائمة وكفه مبسوطة إلى أسفل ووضع قبضته اليسرى فوق قلبه، ثم عاد إلى وقفته.

وعلى حين غرة شقَّت فرقعةٌ عظيمة سكونَ الفضاء المظلم فوقهم وارتفعت أصوات المكبرات معلنةً بدء العد التنازلي من عشرة إلى صفر.

التفت الجميع إلى أفق البحر الحالك فتجلّى النيزك الهائل مقبلًا من جهة الميناء بوهجه الأحمر وذيلٍ من ألسنة اللهب، وما إن احتك بسطح المياه حتى أثار أمواجًا متلاطمة أطفأت نيرانه رويدًا رويدًا.

وصلت الكتلة الهائلة ثم ثبتت فوق مهبط الحوامات وقد غلّفها ضباب كثيف من بخار البحر، وراقب الحاضرون هبوطها البطيء بترقبٍ مشوب بالتوتر.

ومن قلب الضباب انبثقت سفينة عين الحكمة بمهابةٍ مرعبة، فبدت ككويكبٍ صغير تعلوه فتحة سوداء هائلة كأنها عينٌ تحدق بالعالم ويتموج سطحها كبقعة زيت فوق الماء.

وكان غلافها الخارجي مكسوًّا بصفائح من سبائك ذهبية حُفرت عليها خرائط نجمية دقيقة تصل بينها خيوطٌ حمراء متوهجة تنبض بالطاقة الكونية كالدم في العروق.

٢٨

أثناء إشراف الرجل على العلماء أصاب الشاشات تشويشٌ للمرة الثانية فأربك الجميع، إذ لم يسبق أن وقع مثله، غير أنه ظل رابط الجأش وانعقد حاجباه مفكرًا قبل أن يأمر بتحويل مصدر الرصد إلى كاميرات المراقبة الداخلية وتوجيهها إلى منطقة الهبوط المنتظرة.

وفي الحال ظهرت أمامه صورة هولوجرامية لساحةٍ معدنية شاسعة عند طرف القلعة المطل على البحر أُعدت مهبطًا للطائرات والحوامات العملاقة، واتصلت بمنطقة تجمع الجيش عبر جسرٍ عريض ذي أرضية متحركة.

ثم عرضت إحدى الشاشات المنطقة الواقعة أسفل المهبط فكشفت عن أنبوبٍ هائل شفاف يخترق الأعماق وتموج داخله مياه البحر فوق مفاعلٍ للطاقة الحرارية الجوفية يمد القلعة بجميع احتياجاتها التشغيلية، ويحاذيه مصعد كهرومغناطيسي ينتهي عند منشأةٍ معدنية صغيرة في القاع ظل محتواها محجوبًا عن أجهزة الاستطلاع.

وعندما اطمأن الرجل إلى كفاءة المفاعل وسلامة المصعد وصل سُورِيد يتبعه الجنرال وإيرما، فانحنى له الحاضرون تحيةً وإجلالًا.

انفرد الملك بالرجل مستفسرًا: هل راجعت تجهيزات زنزانة الأعماق أيها الوزير إيلام؟ فأجابه باقتضابٍ آلي: تم يا مولاي.

تفرس سُورِيد في عيني وزيره الزرقاوين اللامعتين وملامحه الجامدة التي لا تكشف شيئًا، ثم أردف بلينٍ خفيف: كلي ثقةٌ بقدراتك فأنت القائد الأعلى للقوات العسكرية وذراعي اليمنى...

٢٧

صعد سُورِيد إلى مبنى القيادة العسكرية ثم خرج يتبعه الجنرال وإيرما والحاشية الملكية قاصدين ساحة تجمُّع الجنود عبر الطرقات العريضة ذات الأرضيات المتحركة التي تربط قطاعات القلعة.

وفي الساحة الدائرية المطلة على خليج القرن الغربي تسارعت الاستعدادات مع احتشاد القوات وقادتها من الرجال والنساء، وانتظمت صفوف الجنود بأزيائهم السوداء وخوذاتهم الرقمية، وأشرف عليهم كبار الضباط في دروعهم الخضراء الداكنة.

وخلفهم انكب العلماء بأرديتهم البيضاء على شاشات الرصد الهولوجرامية التي تنقل بثًّا حيًّا لمحيط القلعة وسطح الأرض، وتصدَّرها تقويم الممالك:

«يوم: السُّبُوع 26 |03.09/ 6981| شهر: سَاثُوو سنة: 220ش.ق — عسكريًا: يوليان/2897501»

وقف رجل فارعٌ نحيل في أواخر الثلاثينيات يتابع عمل علماء القَفطَريم، بملامح قوقازية شاحبة ووجهٍ جامد كتمثالٍ رخامي وشعرٍ أشقر طويل مضفر ومعقوص خلف رأسه، وحمل الجانب الأيسر من عنقه وشم شعار المملكة.

ارتدى حلةً رسمية فضية مشابهة للزي الملكي غير أن العِقد المجدول على صدره لم يضم سوى حجرٍ واحد من السيرينديبايت الأسود، وانسدلت على ظهره حرملة حريرية خضراء داكنة متعددة الطيات ثبَّتها عند منكبيه زران ذهبيان كبيران.

٢٦

عندها ارتخت قبضته فشهق الجنرال بحدة وخرَّ جاثيًا واضعًا راحتيه على الأرض، ثم اندفع يقبّل يد مولاه متزلفًا، أما إيرما فمطت شفتيها.

ترك سُورِيد الجنرال يقبل يده ثم ربت على رأسه ككلبٍ مطيع، وأعلن بصرامة ملكية: تقديرًا لمساعيك في خدمة مملكة القَفطَريم ولمكانة عائلتك النبيلة ذات العرق النقي نكلفك بمهمةٍ تليق بحدث الليلة لتثبت فيها ولاءك وتفانيك لعظمتنا.

رفع الرجل رأسه وقد دبَّ فيه الأمل وابتهل: عفو ورضا مولانا... لكن الملك لم يُعره انتباهًا والتفت إلى إيرما فخفضت بصرها، ثم أمرهما بصرامة: اتبعاني... وانطلق بخطى واسعة للمخرج.

فورًا هب الجنرال ورمق إيرما شامتًا وأبرز لها إصبعه الأوسط قبل أن يهرول خلف ملكه، فرفعت حاجبها ساخرة وهمست: الرجال لا ينضجون أبدًا.

انقلبت من شراستها إلى هدوء كوبرا مترقبة ولحقت بهما بخطواتٍ رشيقة داخل المصعد الكهرومغناطيسي المخصص لقاطني القصر الملكي، وهو المنفذ الوحيد الذي يهبط رأسيًّا في قلب الجبل الجرانيتي المنحوت على هيئة ساعدٍ بشري عملاق ثم يمتد أفقيًّا عبر نفقٍ يفتح على القاعة الحصينة أسفل مبنى القيادة العسكرية.

* * *

٢٥

فاستدار سُورِيد بحدة ورمقه بنظرةٍ حبست الكلمات في حلقه وجمدت الدم في عروق جسده العملاق الكثيف الشعر كالغوريلا.

فعين الملك اليسرى الرمادية الجاحظة بلا جفن تبث الرعب في قلوبهم دائمًا، وضاعف نصف وجهه الأيسر رهبتهم إذ تشكّل من سبيكة تيتانيوم التحمت بعظام جمجمته وانسلخ عن ذلك الجانب الشعر واللحم.

وامتدت السبيكة اللامعة من الجبهة حتى الذقن صانعةً أسنانًا وأنيابًا معدنية وفكًّا سفليًّا من التيتانيوم، ثم تراجعت حتى موضع الأذن الزائلة، وتدلى من شحمة نظيرتها السليمة قرطٌ فضي يحمل وجه أسدٍ مكشِّر، وارتسم على رقبته العريضة وشمٌ أسود لشعار المملكة.

اقترب سُورِيد ببطء من الرجل وأصابعه تداعب عقده الملكي المطوِّق عنقه بأصابعه، وقد نُظم من الزمرد الأخضر والسيرينديبايت الأسود، وقست ملامحه في تنافر صارخ مع وسامة الجانب الأيمن المتبقي من وجهه.

فجأةً أطبقت أصابعه على حنجرة الجنرال بإحكام فتحشرج، ولمعت عينا إيرما بشراسةٍ سادية ترقبًا لانسحاق حنجرة الرجل.

ظلت قبضته تختبر حدود تحمّل الجنرال حتى زاغت عيناه وازرقَّ وجهه من غير أن يجرؤ على محاولة إبعاد يد حاكمه، ثم انبعث النداء مجددًا من الناقل المثبت في أذنه اليمنى: «اتصال.. ألفا.. مولاي المُعظم.. هنا بيتا.. زمن الوصول (27د).. القلعة في استنفار كامل.. حالة التأهب.. الإنذار الأصفر.. في انتظار تشريف جلالتك.. خارج..».

٢٤

غطاهما قفازان طويلان، فازدرد لعابه متذكرًا فتحة خروج النصل الحاد في كلٍّ منهما.

لكن خياله الشبق غلبه حين انزلق بصره إلى السروال القصير الخاص بإناث الحرس الملكي والمنقوش كجلد أفعى رقطاء، وقد صُمم من ألياف الجرافين الذكية ليعمل حزامَ عفةٍ مشفرًا لا يُنزع خارج القلعة سوى في مهام الاستدراج بالإغواء، وإلا أطلق شحنةً كهربائية مميتة تصعق مرتديته ومَن يحاول العبث به.

وأخذته أوهامه إلى مخدعها، لكنه أفاق منها حين لمح شفتيها تلتويان اشمئزازًا كأنها قرأت خواطره الشهوانية.

اعتدل سُورِيد بغتة وشبك كفَّيه خلف ظهره ثم هدر آمرًا دون أن يلتفت إليهما: تقرير نتائج المهمة يا جنرال القَفطَريم؟

تلعثم الجنرال تحت وطأة التوتر: انقطع اتصالنا بالضابطين، وآخر ما تلقيناه من شرائح التتبع المزروعة قرب القلب... يشير إلى توقف مؤشراتهما الحيوية تمامًا.

حسم سُورِيد بهدوءٍ مخيف: اختصارًا... فشلت ليس إلا...

تردد الرجل محاولًا إيجاد رد فتدخلت الأنثى بشراسة: مولاي مُحق... واسمعها مني يا جنرال... اعترف أنك أخفقت في مهمتك.

همَّ الرجل بالدفاع عن نفسه: قائدة الحرس الملكي إيرما تقصد أن...

٢٣

جال ببصره في محيط قلعته فامتدت أمامها أرضٌ قفر شاسعة، ووراءها مياه خليج القرن الغربي المتفرع من بحر يَمّ كَاسِيمَا، وطوقتها شرقًا وغربًا سلاسل جبال توشريت، وعلى أسوارها الشاهقة تمركزت دورياتٌ متأهبة خلف مدافع الأشعة النيوترونية التي لا تُفعَّل إلا عند التهديدات الكبرى، وقد حل أحدها الآن.

ضاق جفن سُورِيد الأوحد حين بلغ مسمعه وقعُ خطواتٍ خفيفة لامرأة وأخرى أثقل لرجل، حتى توقف القادمان خلفه دون أن يجرؤا على قطع تأمله.

انتصبت صاحبة الخطوات الخفيفة في ثبات عسكري متطلعةً إلى الملك الذي برزت عضلاته تحت زيٍّ من ألياف الجرافين الذكية تكسوه دروعٌ فضية لامعة تمنحه هيئة تمثالٍ مصبوب من الزئبق، وعلى منكبيه تدلت حرملةٌ من خيوط الذهب الخالص يتوسطها وَشْيٌ بارز لشعار المملكة.

انتهز صاحب الخطوات الثقيلة استغراق الملك في التأمل وراح يتفحص المرأة السِّلاڤية الشرقية ذات خمسة وثلاثين ربيعًا الواقفة بجانبه، فاستوقفت نظره شفتاها المكتنزتان وشعرها الأشقر الذي حُلِق جانبه الأيسر كالرجال فكشف عن عنق موشوم بشعار المملكة، وانسدلت خصلاته من الجهة الأخرى.

وتملكته الإثارة وهو يتأمل جسدها الرشيق القوي في رداء الحرس الملكي القرمزي إذ برز من معطفها الضيق بلا أكمام ذراعان شديدتان

٢٢
زخرفة الفصل

بُــزُوغ عَيْــنِ الحِكْمـَـة

الزمان: بعد خمس عشرة دقيقة من اجتياز النيزك الأحمر جبال فرعون.

المكان: قلعة القيادة في مملكة القَفطَريم، على الحدود الجنوبية بين مستعمرة العَدِيم وأراضي الكَنَاچي.

وقف رجلٌ قوقازي في منتصف الأربعينيات على شرفة القصر الملكي القائم فوق جبلٍ منحوت، ينصت إلى ناقله الصوتي المثبت في أذنه اليمنى الوحيدة: «اتصال.. ألفا.. مولاي المُعظم سُورِيد.. هنا بيتا.. رسالة عاجلة.. انتهى التشويش على المراصد الفضائية.. نقطة هبوط الهدف تطابق إحداثيات موقع جلالتك.. زمن الوصول (45د).. القلعة في كامل الاستعداد.. خارج..».

أطبق سُورِيد كفَّيه على حاجز الشرفة وراقب من ارتفاعه الشاهق الساحة العسكرية التي بدت كخلية نملٍ تستعد لاستقبال الهدف.

غلاف ممالك الآخرة

نتائج البحث